التعليم الموازي غير الرسمي قراءة في ظاهرة الدروس الخصوصية وتداعياتها على النظام التربوي
محتوى المقالة الرئيسي
الملخص
لقد أضحت ظاهرة الدروس الخصوصية من أبرز السمات المميزة للواقع التربوي المعاصر، حيث شهدت في السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا نتيجة تراكم إصلاحات تربوية متكررة اتسمت بغياب التخطيط العلمي الدقيق. وقد انعكس ذلك في صورة أزمة حقيقية تمثلت في تراجع ثقة المتعلمين وأوليائهم بالمؤسسة المدرسية، الأمر الذي دفع جميع الأطراف الفاعلة في العملية التعليمية، من معلمين ومتعلّمين، إلى البحث عن بدائل تعويضية، فقد وجدوا في الدروس الخصوصية المخرج المتاح لتلبية احتياجاتهم. فالطالب وولي أمره باتا ينظران إليها بوصفها وسيلة أساسية لضمان التحصيل الدراسي، بينما أصبحت بالنسبة للمعلم قناة إضافية لتحسين دخله المادي.
إنّ تزايد الاعتماد على هذا النمط من التعليم الموازي يثير إشكاليات متعددة، لعل أبرزها تراجع المدرسة عن أداء وظيفتها الجوهرية في مجال التنشئة الاجتماعية، وإحالة هذه المسؤولية إلى مؤسسات غير رسمية قد تُسهم في غرس منظومات قيمية لا تنسجم بالضرورة مع الأهداف التربوية الوطنية. كما أن سعي المعلم وراء تحقيق مكاسب مادية على حساب رسالته التربوية يُفضي إلى تقويض مكانة المدرسة كمؤسسة تنموية، ويضع المصداقية المهنية للمعلم موضع مساءلة، وهو ما يستدعي طرح تساؤلات جادة حول دوافع لجوء أساتذة يتمتعون بظروف وظيفية محترمة إلى ممارسة هذا النشاط بوصفه استراتيجية بديلة لزيادة مواردهم المالية.
خلاصة القول، يتضح أنّ ظاهرة الدروس الخصوصية لم تنشأ بمعزل عن الواقع التربوي والاجتماعي، وإنما جاءت نتيجة تفاعل جملة من العوامل المتداخلة. فقد ساهمت دوافع المتعلم الفردية، وضعف تأهيل بعض المعلمين، ونقائص المناهج الدراسية والبرامج التعليمية، إلى جانب قصور نظم التقويم وبناء الاختبارات، في ترسيخ هذه الظاهرة، ولا سيما في صفوف تلاميذ الأقسام النهائية. كما كان للأسرة ووسائل الإعلام الحديثة دور فاعل، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغذيتها وانتشارها. ومن ثَمَّ، فإنّ هذه الظاهرة تعكس خللاً بنيوياً في المنظومة التعليمية والمحيط الاجتماعي على حد سواء، الأمر الذي يستوجب تحليلاً معمقًا لانعكاساتها واقتراح سبل معالجتها.
وانطلاقًا من الدراسة الحالية حول هذه الظاهرة، وما أفرزته من تداعيات على صورة المدرسة والمعلم معًا، أمكن التوصل إلى مجموعة من التوصيات العملية التي قد تسهم في الحد من تفاقم الظاهرة وتقليص آثارها السلبية، باعتبارها تمثل تهديدًا مباشرًا لمكانة المدرسة الرسمية وتزيد من الأعباء المادية على الأسرة. ومن أهم هذه توصيات:
التأكيد على ضرورة الارتقاء بنوعية تكوين المعلمين عبر تزويدهم بمهارات واستراتيجيات فعّالة لإدارة الموقف التعليمي، مع إعادة النظر في فلسفة التربية باعتبارها مشروعًا مجتمعيًا لبناء الإنسان. كما توصي بتوجيه الجهود الإدارية نحو خدمة المتعلم من خلال بيئة تعليمية ملائمة، ومعالجة مشكلات الاكتظاظ وكثافة المقررات، إلى جانب مراجعة المناهج وتطويرها بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل. وفي السياق ذاته، تدعو الدراسة إلى فرض ضوابط قانونية على مراكز الدروس الخصوصية، وتحسين الوضعية المادية للمعلم وربط ترقيته بمستوى تحصيل طلابه، فضلًا عن تطوير نظام التقييم والامتحانات بما يحقق العدالة والموضوعية
تفاصيل المقالة

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution 4.0 International License.
يحتفظ المؤلفون بحقوق الطبع والنشر ويمنحون المجلة حق النشر الأولي، مع ترخيص العمل في نفس الوقت بموجب ترخيص المشاع الإبداعي (CC-BY) 4.0 الذي يسمح للآخرين بمشاركة العمل مع الاعتراف بتأليف العمل والنشر الأولي في هذه المجلة.